بهجات صغيرة
ها أنا مجدَّدًا، أسير بخطى متباطئة في الزقاق المؤدِّي لبيت جدِّي؛ البيت الطِّيني القديم المُكَوَّن من طابقين ومِساحة زراعية شاسعة، تضمُّ أنواعًا مختلفة من الأشجار (النخيل، المانجو، الليمون، النارنج، المستعفل، المشلي، التين، العنب ) البيت الذي، ومنذ الوهلة الأولى، سيشغلك بابُه الخشبيُّ الثقيل المزيَّن بالنقوش والألوان، ستجد نفسك أمام تحفة فنية، تقودك إلى بهو واسع، ينقلك بسلاسة، عبْرَ سلالم حجرية، إلى بهو آخر مفتوح على السماء، ومحاطٍ بغرف مشغولة بنوافذ مطلَّة على المزارع؛ بأخضرها المغسول بالشمس، وأبوابٍ خشبية ملوَّنة، وأسقُف منقوشة ومزيَّنة بالأشعار العربية، وأنت داخل هذه التحفة المعمارية، ما إن تتلفَّت حولك ستجد بهجاتٍ صغيرةً في انتظارك؛ مراوح اليد، بتصاميمها الرائعة التي شكَّلتها أمِّي، على مهل، كمن يلعب بأصابعه الماهرة على آلة موسيقيَّة، المناديس في غرفة جدَّتي، ذات النقوش الذهبية، بمحتوياتها الأنيقة، صينيَّة الجمال، كما أُسمِّيها التي تقدِّم في كلِّ زيارة للنساء، وهي عبارة عن (عطور ودهان -يوضع على الجبين، وورس لليدين والوجه )* هدايا الكانغا المصمَّمة بعناية، كحدائق صغيرة متنقِّلة التي يُحضرها جدِّي لبنات العائلة، بعد كلِّ زيارة لزنجبار. سأجلس، كالعادة، في السجَّاد الأنيق، مع أمي وجدّتي، مصغيةً لحديث شائق عن الحياة العمانيَّة التي تخطف القلب؛ ببساطتها وجمالها، كلُّ شيء في هذه الحكايات يشير إلى حياة ملوَّنة، وإنسان مشغول بالفن والجمال. أفراح متتالية، وجوه مبتسمة، نساء يخرجن بأزياء مبهجة، يرتدين القلائد الفضيَّة، يضعن صبغة صفراء على الجبين، يُزَيِّنَّ أعينهن بالكحل، يضعن شالًا خفيًفا على الرأس، تتقدَّمهنَّ ابتسامة. مأخوذة بذلك العماني الجميل؛ العماني الذي لا يمكن إلا أن يكون إنسانًا مُحِبًا للجمال، ميَّالاً للبهجة، وعاشقًا للحياة، بَدءًا بالمِعمار والصناعات اليدوية واليوميَّات الضاجَّة بالعمل، والمشغولة بتفاصيلها الصغيرة، وانتهاءَ بالزِّيِّ الحافل بالألوان المشرقة، والتناغم الروحي مع الطبيعة




تعليقات