أشياء عالقة في الفراغ



 مداخلة للإجابة على أسئلة طرحت حول العلاقات الإنسانية*


أنْ تتراجع، أو تتقدَّم، أن تبدأ، أو تنتهي، أن تجيب، أو تلتزم الصمت، أن تكمل كتابة رسالتك، أو تحذف ما كتبت،  يعتمد كلُّ- شيء على فهمْنا للحرية والحقوق،  وما إذا كان هذا الفهم متأثِّرًا بعارِضٍ ما، أو بحفلة الألعاب النفسية، أم  أنه منطلقٌ من معنى الإنسان والحياة، يعتمد على قدرتنا في التحكُّم بتصرُّفاتنا، حين يكون الأمر متعلقًا بمَن أحبَّنا، أو أحببناه، ولا أقصدُ طبعًا أن يكون هناك تصنُّعٌ، أو جمود، أو قتلٌ للعفوية في علاقاتنا الإنسانية.

لكن ضرورة أن لا تطغى على أذهاننا صورةُ الوحش، والمتنمِّر، والمتعالي، والقمعي؛ تلبيةً لشعور خاطف يُفْقِدُنا السيطرة.

التأويل الاستباقي، والتفسيرات العشوائية لحدثٍ ما، أو لموقف، بصورة فردية، كثيرًا ما تضع الطرفَ الآخر في خانة المتَّهَم، دون علمه.

الانقلاب السريع، والمباغِت الذي يقمع، ويخيف، ويؤذي، دون سببٍ واضح، ومفهوم.

-أؤمن دائمًا أنه لا يمكننا التخطيط، أو الانتقاء في القبول، والمحبة، أو الانجذاب، يحدث من تلقاء نفسه ذلك الشعورُ الخارج عن السيطرة. ليس بوسع المرء قمعُه، أو قتله، في الغالب، بل في حالات كثيرة كمَن يسير مُغمَض العينين، مأخوذًا بشغف المفاجأة.

لكن بطبيعة الحال، هنالك تغيُّرات كثيرة، وتقلُّبات تحدث، على مدار الأيام والسنوات. انتهاء، أو استمرار علاقة  يعتمد على قوَّة المحبَّة، والتفاهُم  على الأسباب التي جمعتنا بالطرف الآخر، وما إذا كانت روحية عميقة، أم هشَّة، منطلقة من العمق، أم من السطح، وعلى مكانتنا في قلب الآخر.

كثيرًا ما أعتقد أننا في حياة الآخر مجرَّد اسم عابر، قابل للتفكيك، والتنقُّل السريع،  أو حتى للذوبان في أيِّ لحظة، مع الريح،  كحبَّات الرمالِ في الصحراء، لو كُنَّا هدفًا لمصلحة ما .

-تحدث العلاقات بطريقة غير متوقَّعة، في أغلب الأحيان، لا تعرف من ستحبّ، ومن سيكون صديقك، لكن عند أوَّل منعطف، ستعرف مكانك، ستعرف أين وصلت، وما الذي عليك فِعْلُه.

--البدايات  تمنح الطرفين جرعات كبيرة متتالية من الحب، جرعات كبيرة من الحنان والاهتمام، ثم تبدأ تدريجيًّا بالانخفاض. أعتقد من هنا يمكننا قياس مدى تقبُّلنا للطرف الآخر، دون نزق، أو اندفاع من أحد الطرفين.

لكن كيف ينبغي أن تكون النهاية ؟

ما الذي علينا فعله؛ كي تبدو هذه النهاية سعيدة؛ لنحتفظ بكلِّ لحظة كما هي،

دون أن نضطر إلى محاولة إزاحتها، أو إحالتها إلى صندوق النسيان المظلم، حيث لا هواء، ولا ماء؟

كيف يمكننا إنهاءُ علاقة، دون أن نتسبَّب بكوارث نفسية للآخر؟

أؤمن بالحوار، أؤمن بضرورة وجود الشفافية والوضوح في علاقتنا بالآخر، أؤمن بالانطلاق الحرّ، وتخطِّي العقبات والحواجز،  بالوعي الكامل، بحقِّ الآخر، واحترام طبيعته البشرية.

ان لا يكون الأمر كمَن يخلع قميصًا،  ويرميه في سلَّة الغسيل، أو في سلّة القمامة.

ينبغي دائمًا أن تكون هناك  مساحة واسعة مفتوحة، صالحة للعَدْوِ،  والتحليق، ينبغي أن نحفظ المحبة، ولحظاتها الحلوة.

لا أحد يحقُّ له امتلاكُ الآخر،  أن يمتلكه كعقار، أو تحفة مثلًا، أو تحديد مساراته في الحياة، أو التحكُّم بحريته، وما يؤمن به .

قد تدعوك لحظة كهذه أن تردد  بينك وبين نفسك :

هل كنت شبيهًا بحقيبة جلدية منتفخة، في هذه الرحلة ؟ تفتح في وقت الحاجة؟

هل كنت اسمًا معلَّقًا كميدالية مفاتيح، بجانب باب للطوارئ؟

يا لَها مِن صدفة! يا لَه مِن قلب!

يصعب على المرء التكهُّنُ بالأسباب  الحقيقية، وراءَ ارتكاب فعلٍ مؤلم تُجاه من يحبُّ، تجاه من ارتبط به عاطفيًّا وروحيًّا،  وتبقى الاسئلة وحدَها ترنُّ بلا إجابات،  في أعماقنا.

لماذا لا يستطيع  الناس إنهاء علاقاتهم بسلام؟ دون  وضعها على ميزان القوة والضعف، أو دون استغلال مؤذٍ وقبيح للمشاعر؟

لماذا  حين يقررون الخروج من علاقة،  يخرجون بكدماتٍ في الروح والجسد ؟

لماذا لا يفكرون بالخروج الآمِن الذي يمنح الطرفين حقَّ الاحتفاظِ بالذكريات  الجميلة؟

  

أمرٌ يبدو في غاية الغرابة!

أنْ تسير في حديقة تحبُّها،

بحذرٍ وخوف تتلفَّتُ يَمنة ويَسرة،

تشغل نفسَكَ بالغناء، بإرسال برقيَّات حُبٍّ عاجلة، وتصاب في ذات اللحظة بلدغةٍ سامَّةٍ مفاجئة.

لا أعرف، هناك أصوات في داخلنا غالبًا لا ندعُها تخرج، إلا في أضيق الحدود.

علينا أن نستخدم اللطف بكميَّات قليلة مع من نحبّ؛ كي لا يساء فهمُنا.

علينا أن نتوخَّى الحذر في الملاهي، بعض الألعاب قد تسرق منا المتعة، وتكسر لنا ضلعًا، أو تفقأ لنا عينًا.

علينا أن لا نندفع بقوَّة، في الحدائق، في  صالات الرقص، في الملاعب، والركض بتمهُّل.

ليست كلُّ الأشياء  مُسَلِّيَّةً وآمِنة.

علينا أن نقتصد في الضحك.

في الكلام، في المَيْل، واللهو والغناء.

علينا أن نستدرج المرَح، من حينٍ لآخر للفحص والتدقيق.

هذا ما تقوله الأيام، وهي تعيد طلاءَ جدرانها القديمة، وتنفض عن ثيابها التراب:

أتقنوا فنَّ التلاعُب، كونوا كالمهرِّجين في مسارح الحياة، كممثِّلي السينما.

أتقنوا الأدوار الصعبة، والمركَّبة، والأدوار الشِّرِّيرة.

لن تنقذكم صراحتُكم، انقسموا إلى ذوات متعدِّدة، بدِّلوا وجوهَكم، بين وقتٍ وآخر، اسمحوا للأنانية بالدخول مع جزيئات الهواء إلى رئاتكم، تنفَّسُوا بعمق، ولتكن خطواتُكم خطواتِ المنتصرِ على كلِّ آلامِه.  


-لا تعرف من سيحبُّك اليوم، أو من سيكرهك، أو من سيؤلمك، ومن سيفرحك، من سيتحدَّث عنك بخير، ومن سيشتمك؛ إنه أمر في غاية التعقيد.

قد تظهر بسيطًا وعفويًا في عيون البعض، وقد تظهر متكبِّرًا ومتغطرسًا، في عيون آخرين.

قد يراك أحدُهم جميلًا وأنيقًا، وقد يراك آخرُ مُهرِّجًا، ومثيرًا للشفقة.

يحدث، وأنت تمشي في مكان ما للنزهة، أو للتسوُّق أنْ تتفاجأ بنظرات، وكلمات متناقضة، ممَّن لا يعرفونك، ولا تعرفهم، سترى الحبَّ والكره يصطدمان ببعضهما، طوال الوقت، هناك من سيزدريك، ويتفوَّه أمامك بكلمات غير لائقة، وهناك من سيرميك بالقُبَل الطائرة، وكلمات الإعجاب.

سيصلك حتمًا ذلك الإحساس المؤلم الذي لا تستطيع أن تقوله، أو تفهمه تُجاه من حولك.

أحيانًا ينتابك الفضولُ لمعرفة مصدر الكراهية ممَّن لم يسبق أن التقيتَهم، أو تواصلتَ معهم، أو ممَّن تحدَّثتَ معهم لمرَّة واحدة فقط، لكنك تفشلُ، ثم تحاولُ مجدَّدًا، إلى أن تسقطَ في قاع الصوت المهمل لكلماتٍ لم تقل، ولن تقال، ورقة يبلِّلها الماءُ الآسِن، ويذيبها لتصبح نداءً مجهولًا إلى الأبد.

وحدَها علاماتُ الاستفهام ستبقى، مثلَ أعمدة إنارةٍ تضئ طريقًا مفتوحًا، وخاليًا في عتمةٍ كالحة، دونَ أنْ يتبعها أحدٌ بإجابة  واضحة، أو تعليقٍ مختصر.

قد لا تنتهي من عدِّ الأشياء التي حدثتْ، دون قصد، أو بقصد، ولا تستطيع خدْشَ سكونِ الأشياء الجميلة التي فُهِمت على نحو سيِّء.

تمضي، وحسب، وتبتلع كلَّ الكلام الذي كنتَ على وشْكِ التفوُّه به.

ستتفادى الوقوع في خطأ ما، قد يسبِّب ألمًا لأحد، وأرجو أن لا يحدث هذا أبدًا.

سيظلُّ هذا الصمت غامضًا، ستظلُّ تلك الإشارات غيرُ المفهومة عالقةً في الفراغ، ستظلُّ تلك النظراتُ المتَّفقُ عليها، تدور بلا جدوى، في حفلٍ توقَّف فيه الرقص، وسكتتْ فيه الموسيقا إلى الأبد، أو إلى أجلٍ غيرِ مسمَّى.

تعليقات

المشاركات الشائعة

المشاركات الشائعة